محمد بن محمد ابو شهبة
220
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
خلقك ، ومن قائل « 1 » : إنها أرسلت إليه نفيسة بنت منية « 2 » ولعل هذا هو الأقرب ، وسأدع نفيسة تقص علينا القصة قالت : كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة ، مع ما أراد اللّه بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك . قد طلبوها ، وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام ، فقلت : يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : « ما بيدي ما أتزوج به » ، قالت : فإن كفيت ذلك ، ودعيت إلى المال ، والجمال ، والشرف ، والكفاءة ، ألا تجيب ؟ قال : « فمن هي » ؟ قالت : قلت : خديجة ، قال : « وكيف لي بذلك ؟ » ، قالت : قلت : علي ، قال : « فأنا أفعل » ، فأعلمت خديجة أهلها ، فوجدت منهم قبولا وترحيبا ، وحدّدت للنبي وأهله موعدا يحضرون فيه ، وذكر النبي ذلك لأعمامه ، فخرج معه عمّاه : أبو طالب ، وحمزة حتى جاؤوا بيت خديجة ، فوجدوا عندها عمها عمرو بن أسد حاضرا ، فخطبها منه أبو طالب لابن أخيه محمد ، فوافق ورحّب وقال : هذا الفحل لا يقدع أنفه « 3 » ، وخطب أبو طالب خطبة الإملاك « 4 » ، وهي تنم عن فضائل النبي وخصائصه ، وشرفه ، وشرف ابائه ، وهي قطعة من بليغ الكلام ، وفصيح القول . وهذا الذي ذكرناه من أن الذي ولي تزويجها هو عمها هو الذي عليه أكثر علماء السير ، وهو الصحيح كما قال السهيلي ، فإن أباها كان قد مات قبل ذلك .
--> ( 1 ) هي رواية ابن سعد عن الواقدي . ( 2 ) نفيسة : بضم النون ، وفتح الفاء على صورة المصغر . ومنية بضم الميم ، وسكون النون ، وفتح الياء المثناة ، نسبة إلى أمها ، وفي بعض الكتاب : بنت أمية وهو أبوها ، وهي أخت يعلى الصحابي المشهور . ( 3 ) مثل يضرب للكفء الكريم ، وأصل المثل : أن العرب كانوا إذا وجدوا الفحل - الذكر من الإبل - غير كريم ضربوا أنفه ومنعوه عن الناقة ، فإن كان كريما تركوه فذهب مثلا في العرب . ( 4 ) إعلان الزواج .